ترجمة الشيخ عبد الكبير الكتاني

ترجمة الشيخ عبد الكبير الكتاني

أنقل في هذه الصفحة ما ذكره العلامة السيد محمد عبد الحي الكتاني عن والده العلامة السيد عبد الكبير الكتاني رحمهما الله تعالى، أنقله من ثبته «فهرس الفهارس».

قال العلامة السيد عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى في: «فهرس الفهارس» (2/ 743):

عبد الكبير الكتاني: هو عبد الكبير بن شيخه الشيخ أبي المفاخر محمد بن عبد الكبير الحسني الإدريسي المعروف بالكتاني، شيخ السنة وإمامها إمام الهداية ومقيمها، الأستاذ الأكبر العارف بالله وبرسوله، والدي ومربي روحي أبو المكارم قدس الله أسراره وعطر مزاره.

ولد بفاس سنة 1268 وربي في كنف والده الإمام محفوفاً بعنايته مشمولاً برعايته حتى شب واكتهل.

نشا في جلال الدين يرتضعُ العلا … فجاء تقىً يختالُ في الرتب الشم روى سماعاً وحضوراً عن أعلام فاس كالأخوين عمر وأبي عيسى المهدي ابني الطالب ابن سودة، كلاهما عن أبي محمد عبد السلام الأزمي عن الشيخ التاودي ابن سودة.

كما أخذ عن غيرهما ممن تضمنته فهارسه كصهره وابن عمه أبي المواهب جعفر بن لإدريس الكتاني وأبي عبد الله محمد ابن المدني كَنون وشيخهما أبي العباس أحمد بناني، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم السلوي والوزير صالح بن المعطي التادلي والقاضي أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن العلوي وأبي عيسى المهدي بن محمد بن حمدون بن الحاج وأبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن التاودي ابن سودة وأبي عبد الله محمد المقري المدعو الزمخشري وأبي العباس أحمد العلمي السريفي.

وسمع المسلسلات الرضوية على أبي عبد الله محمد بن علي الحبشي الاسكندري بفاس وغيرهم

وحج عام 1286

ودخل تونس وطرابلس ولقي جماعة من الأعلام ثم حج عام 1295

وروى هناك سماعاً وإجازة عن محدث الحجاز الشيخ عبد الغني ابن أبي سعيد الدهلوي المدني وتلميذه أبي الحسن علي ابن ظاهر الوتري المدني، كلاهما بها

وسمع علي الوتري جميع الشفا وهو زميله على الجمل بين مكة والمدينة في عشرة أيام

وسمع جميعها عليه مرة أخرى ثانية في زرهون في ثلاثة أيام

وروى سماعاً وإجازة أيضاً عن أبي إسحاق إبراهيم السقا المصري وأبي عبد الله محمد عليش شارح المختصر، كلاهما بمصر

وسماعاً فقط عن أبي العباس أحمد بن زيني دحلان سمع عليه سيرته بمكة

وأجازة كتابةً من الهند بواسطتي شيخُنا القاضي حسين ابن محسن السبعي الأنصاري وشيخنا شرف الدين المشهدي وشيخنا نور الحسنين ابن محمد حيدر بن الملا مبين الحيدرأبادي وغيرهم.

ولقي أمماً من رجال الطريق بالمشرق والمغرب كالشيخ محمد مظهر بن أحمد سعيد الدهلوي النقشبندي المدني والعارف الشيخ محمد منتظر الطرابزوني صاحب الصلوات المنتظرية والشيخ عبد القادر بن عبد الوهاب الاسكندري وأبي عبد الله محمد بن عبد الحفيظ الدباغ الفاسي وأبي عبد الله محمد بن قاسم فنجيروا. والمعمر أحمد ابن عبد السلام المصوري المغربي وأبي محمد عبد السلام بن علي بن ريسون بتطوان والسيد فضل بن علوي ابن سهل مولى الدويلة وأخذ عنهم.

وعمدته والده الشيخ أبو المفاخر فإليه ينتسب وعليه يعول.

وكان حلساً من أحلاس العلماء والصالحين، بيته وزاويته موطناً لهم، ألفوه وقصدوه من المشارق والمغارب، محكماً للسنة في أحواله أقوالاً وأعمالاً حركو وسكوناً، حتى تجسدت به، لا مذهب له ولا طريقة دون الكتاب والسنّة، كتابه المصحف.

مات وهو يكتب القرآن _ في اللوح مع أنه كان شديد الحفظ له من صغره _ وديوانه الصحيح

ختمه نحو الخمسين مرة ما بين قراءته له على المشايخ وإسماع له

وكان يعرفه معرفة جيدة يستحضر نوادره ومخبآته، ويستحضر ” فتح الباري ” استحضاراً عظيماً

وأتم سماعَ وإسماعَ الكتب الستة، ولم يبق بفاس في عصره ولا بالمغرب من تمَّ له ذلك

يعرف الناس له منةَ إحياء السنّة وكتبها بفاس والقيامَ عليها قيام النقاد المهرة

يستحضر أحاديث الكتب الستّة كأصابع يده، وإن أنس فلا أنس أني كنت مرة أسمع عليه كتاب “المجالس المكية” لأبي حفص الميانسي المكي من أصل عتيق بخط الحافظ أبي العلاء العراقي، فوصلنا فيه إلى حديث عثمان في كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فمع عزو الميانسي له إلى مسلم ذكر فيه المسح على الأذنين، فقال لنا الشيخ الوالد: مسح الأذنين في الوضوء لا يوجد في الصحيحين من حديث عثمان ولا غيره

فقمت بعد ذلك على ساق في مراجعة نسخ صحيح مسلم العتيقة المسموعة وغيرها من المستخرجات والمصنفات الأثرية، فلم أجد لذلك ذكراً فيها، فأيقنت بحفظ الرجل وقوة استحضاره وخوضه في السنّة.

وله رضي الله عنه في الشؤون النبوية عدة مؤلفات كالخضاب والشيب والوفرة، وحواشي على الصحيح والشمائل، وجزء في المبشرين بالجنة من الصحابة أوصلهم إلى نحو المائتين، وكتاب في حديث كنت نبيئاً وآدم بين الروح والجسد. وله مبرد الصوارم والأسنّة في الذب عن السنّة، كتاب عظيم القيمة واسع البحث والاطلاع، وله أيضاً ختم الصحيح، وختم الشمائل، وختم المواهب، وشرح حديث النية، وتأليف في آل البيت في مجلد نفيس وعدة رسائل تخرج في عدة مجلدات أكثرها في الحديث والتصوف والفقه.

وهو أجمع من رأيناه وأخذنا عنه لخصال الخير والمثابرة على العلم والعمل والتمسك بالسنّة في جميع الأحوال وتطلب معرفتها والقيام عليها قيام أعلام الرجال

تذكّر الله رؤيته وتؤثر في أقسى القلوب موعظته، مع سعة الأخلاق التي عم خبرها وأثرها الآفاق، وخضعت له الرقاب ووقفت ببابه الصدور من أهل القرن الماضي، وهذا مع الإنسلاخ التام عن الدعوى والبعد الكلي عن إثبات شيء لنفسه مع التنزل للعباد في التذكير والتعليم، يخاطب كل طائفة على حسب فهمها وإدراكها، ويفيد في صفة المستفيد، ثم يزيد في صفة المستزيد، مع حقارة الدنيا في عينه، وقيام جليسه بعظمة الله وقد استولت عليه.

قال عنه نادرة العصر الشيخ أبو المحاسن يوسف النبهاني في كتابه “جامع كرامات الأولياء”: (هو الإمام العلاّمة المحدث المحقق العارف بالله صاحب التآليف الكثيرة النافعة ولا سيما علم الحديث، وقد استجزته فأجازني من فاس كتابة فسررت بإجازته، وأهداني معه مؤلفاً نافعاً في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخضابه، وهو فريد في بابه مشتمل على فرائد الفوائد، جزاه الله خيراً ونفعني والمسلمين ببركاته). اهـ

وقال عنه شامة العصر أبو عبد الله محمد بن جعفر الكتاني في ترجمته من كتابه الكبير في البيت الكتاني: (لما توفي والده اتخذه أصحابه مكانه في زاويتهم يجتمعون عليه كما كانوا يجتمعون على والده، وهو مع ذلك في الترقي والزيادة خالياً عن الدعوى متبرئاً منها عاكفاً على مطالعة كتب القوم ومجالسة الصالحين والعلماء العاملين مذكراً لهم مستفيداً منهم زواراً لهم، مع المحبة التامة لآل البيت والتعظيم لهم، وأما محبته في الجانب النبوي العظيم فلا تسأل عنها فاق فيها جميع أهل عصره فيما رأينا وأوانِه، وكثيراً ما كنت أذهب معه إلى زرهون فتمر بنا هناك أيام يفخر الزمان بها علماً ومذاكرة وذكراً وتوجهاً.

وأما أخلاقه مع الصديق والعدو والمحب والمبغض فلا تسأل عنها، لا يلقى أحداً إلاّ بغاية البشاشة ونهاية اللطف مع الإكرام التام واللين المفرط العام، ولا يذكر أحداً قط بغيبة ولا يكاد يذكر في مجلسه أحد بذلك أيضاً، بل مجالسه كلها مجالس ذكر وتذكير وعلم وتعليم ووعظ ونصح لا تكاد تخرج عن ذلك، وبالجملة فهو وحيد عصره وفريد أوانه ودهره، وقد استجزته عند هجرتي من فاس إلى المدينة في طريقتهم الكتانية فأجازني). اهـ باختصار كثير.

وعنه أخذنا وبه تربينا، فله علينا في هذا الباب المنة العظمى والمرتبة الزلفى، جزاه الله خير الجزاء.

وقد خَرَّجْتُ له عدة فهارس وكتبت عنه عدة إجازات ذكرت في حروفها (انظر أعذب الموارد في الطرق التي أجيز بالتسليك عليها الشيخ الوالد، وفتح القدير في أسانيد والدي الشيخ عبد الكبير، ومنية القاصد في أسانيد الشيخ الوالد، والمسلسلات).

أجازني غير مرة وخلفني وحباني، وبكل ما عنده هداني.

انتقل إلى جوار ربه ضحى يوم الخميس 26 ربيع الأول عام 1333، ودفن بزاوية والده الكتانية من فاس رحمه الله ورضي عنه.

ونروي عنه أيضاً بواسطة أعلام العصر شرقاً وغرباً، ولنقتصر على عشرة: 1 فعن أخينا الأستاذ الشهير أبي عبد الله محمد، 2 وعالم زرهون أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الإدريسي الشبيهي، 3 وقاضي الرباط أبي العباس أحمد بن محمد البناني، 4 وشيخنا زاهد مكة ومسندها أبي علي حسين بن محمد الحبشي الباعلوي الشافعي، 5 ومسند الشرق الشيخ أحمد أبي الخير المكي الهندي، 6 والمحدث المسند الشيخ خضر بن عثمان الحيدرأبادي الهندي، 7 ومسند افريقية الشيخ محمد المكي بن عزوز التونسي نزيل الآستانة، 8 وبوصيري العصر أبي المحاسن يوسف بن إسماعيل النبهاني، 9 وفقيه القطر الجزائري قاضي تلمسان أبي مدين شعيب ابن علي الجليلي، 10 ونادرة العصر إبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني نزيل دمشق، وغيرهم من الأعلام، كلهم عنه.

ولصديقنا وابن خالنا العلاّمة المفتي الأديب الخطيب أبي زيد عبد الرحمن ابن جعفر الكتاني ناظماً سنده في الصحيح من طريق العمرين عن شيخنا الوالد:

رويتُ جامعَ البخاريَّ الشهيرْ … عن الهمام سيدي عبدِ الكبيرْ
عن شيخه عبد الغني عن عابد … عن صالح الشهير الماجد
عن ابن سنة عن العجل عن … شيخه قطب الدين فافهم واعلمن
عن شيخه أبي الفتوح أحمدْ … عن يوسف الهروي عن محمد
عن شيخه يحيى عن الفربري … عن البخاريّ عظيم القدرِ

وقد ترجمته بترجمة طنانة وذكرت أحواله وثناء الناس عليه في كتابي ” المظاهر السامية في النسبة الكتانية ” وفي ” أداء الحق الفرض في الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ” وأفردت ترجمته بالتأليف ولعلها تخرج في مجلد ضخم، يسر الله علي إكماله آمين.

لقراءة جميع تراجم العلماء انظر هنا: https://multaka-alisnad.com/category/biographies/

لمتابعة قراءة جميع تراجم العلماء: https://t.me/multaka_alisnad

اترك تعليقاً